وهبة الزحيلي

53

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

واليقين « 1 » بترويض أنفسهم على إنفاق المال الذي هو شقيق الروح ، وبذل أشق شيء على النفس من سائر العبادات ومن الإيمان ، صفة نفقاتهم الكثيرة والقليلة كبستان جيد التربة ، ملتف الشجر ، خصب النبات ، وهو بمكان مرتفع متمتع بالشمس والهواء ، ينزل عليه المطر الغزير ، فيثمر ضعفي غلته ، وإذا نزل عليه مطر خفيف أثمر أيضا لجودة تربته وكرم منبته ، وحسن موقعه . وإنما وصف البستان بكونه في ربوة : مكان مرتفع ، فلأن الشجر في الربوة أزكى وأحسن ثمرا . وإنما قال من أنفسهم أي مبتدأ منها دون عامل خارجي ليدل على أن إنفاقه نابع من ذاته ويقينه ، وقناعته بجدوى فعله ، ومجاهدته بخل النفس ، كما قال تعالى : وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ الأنفال 8 / 72 ] . والمعنى في هذا التشبيه : أن المنفق للّه وفي سبيله ويقصد تثبيت نفسه على بذل المال وفعل الخير أو التأكد من نيل الثواب يجود بقدر سعته ، فإن أصابه خير كثير أنفق كثيرا ، وإن أصابه قليل أنفق بقدر طاقته ، فخيره دائم وبره لا ينقطع ، فهو محسن في كلا الحالين ، ويجد ثمرة بذله على كل حال ، فهو كالأرض الجيدة التربة الخصبة النبات تثمر مطلقا وتغل الخير ، ونتاجها وفير دائما ، سواء أصابها مطر كثير أو قليل .

--> ( 1 ) قال ابن عباس : معناه : تصديقا ويقينا ، وقال قتادة : معناه : احتسابا من أنفسهم ، وقال الشعبي والسدي وغيرهما : معناه : وتيقنا ، أي أن نفوسهم لها بصائر ، فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة اللّه تعالى تثبيتا . قال القرطبي : وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول غيرهم . والخلاصة : أن لهذه الكلمة معنيين : إما التيقن من ثواب اللّه ، وإما تثبيت النفس على الإيمان ومجاهدتها من أجل البذل في سبيل اللّه ، أي تزكية النفس وتطهيرها من مرض البخل وحب المال ، والمعنى الثاني أولى ؛ لأنه قال : من أنفسهم ، ولم يقل : لأنفسهم ، قال أبو حيان : ( في البحر المحيط : 2 / 311 ) معناه أن من بذل ماله لوجه اللّه ، فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها .